الشيخ محمد رشيد رضا

252

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سيكون مهاده ومأواه النار ، وهي بئس المهاد وشره ، لا راحة فيها ، ولا اطمئنان لأهلها . وقال بعض المفسرين انه عبر بالمهاد الذي هو مظنة الراحة للتهكم وأنت ترى من هذا التقرير ومن كون التقسيم حقيقيا في نفسه شارحا لما عليه البشر في حياتهم ، متصلا بما قبله ملتئما معه في السياق أن الكلام عام ، وما روي من أن له سببا خاصا لا ينافي عمومه . وقد اختلفوا في السبب للآيات فروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في رجلين من المنافقين قالا لما هلكت سرية للمسلمين : باويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا ، لا هم قعدوا في أهليهم ، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم . وروى ابن جرير عن السدي أنها نزلت في الأخنس بن شريق أقبل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأظهر له الاسلام فأعجبه ذلك منه ، ثم خرج فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر فان صحت الروايتان فالظاهر أن من جعلهما سببا حمل الآيات عليهما في الجملة ، وإلا فأنت ترى أن الآيات ليست مطابقة للحادثتين ، اللتين ان صحتا كانتا في وقتين متباعدين ، فان الأخنس من مشركي مكة ثم ذكر الفريق الآخر المقابل لمن تأخذه العزة إذا ذكر باللّه تعالى فقال * * * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وكان مقتضى المقابلة أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح مع عدم الدعوى والتبجح بالقول ، أو مع مطابقة قوله لعمله ، وموافقة لسانه لما في قلبه ، ولآية تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به ، فان من يشري أي يبيع نفسه للّه لا يبغي ثمنا لها غير مرضاته ، لا يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق ، مع الاخلاص في القلب ، فلا يتكلم بلسانين ، ولا يقابل الناس بوجهين ، ولا يؤثر على ما عند اللّه عرض الحياة الدنيا وما عند كبرائها ومترفيها من القصور ، ومتاع الزينة والغرور ، وهذا هو المؤمن الذي يعتد القرآن بايمانه . وأما الايمان القولي الذي يظهر على الألسنة ولا يمس سواد القلوب ، ولا تظهر آثاره في الاعمال ولا يحمل صاحبه شيئا من الحقوق لدينه وملته ، ولا لقومه وأمته ، فلا قيمة له في كتاب اللّه ، ولا يقام لصاحبه وزن في يوم اللّه